ابن تيمية
128
مجموعة الرسائل والمسائل
ولا حرمنا من شيء ) فأولئك القدرية وإن كانوا يشبهون المجوس من حيث أنهم أثبتوا فاعلاً لما اعتقدوه شراً غير الله سبحانه ، فهؤلاء شابهوا المشركين الذين قالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) فالمشركون شر من المجوس ، فإن المجوس يقرون ( 1 ) بالجزية باتفاق المسلمين ، وذهب بعض العلماء إلى حل نسائهم وطعامهم ، وأما المشركون فاتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم ، ومذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما أنهم لا يقرون بالجزية ، وجمهور العلماء على أن مشركي العربي لا يقرون بالجزية وإن أقرت المجوس ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل الجزية من المشركين بل قال " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل " . والمقصود هنا أن من أثبت القدر واحتج به على إبطال الأمر والنهي فهو شر ممن أثبت الأمر والنهي ولم يثبت القدر ، وهذا متفق عليه بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل بل من جميع الخلق ، فإن من احتج بالقدر وشهود الربوبية العامة لجميع المخلوقات ولم يفرق بين المأمور والمحظور ، والمؤمن والكافر ، وأهل الطاعة وأهل المعصية ، لم يؤمن بأحد من الرسل ولا بشيء من الكتب ، وكان عنده آدم وإبليس سواء ، ونوح وقومه سواء ، وموسى وفرعون سواء ، والسابقون الأولون والكافرون سواء . وهذا الضلال قد كثر في كثير من أهل التصوف والزهد والعبادة ، لا سيما إذا قرنوا به توحيد أهل الكلام المثبتين للقدر والمشيئة من غير إثبات المحبة والبغض والرضى والسخط ، الذين يقولون التوحيد هو توحيد الربوبية ، والآلهية عندهم هي القدرة على الاختراع ولا يعرفون توحيد الآلهية ، ولا يعلمون أن الإله هو المألوه المعبود ، وأن مجرد الإقرار بأن الله رب كل شيء
--> ( 1 ) يقرون بفتح القاف مبني للمفعول أي يقرهم المسلمون على دينهم بأداء الجزية